الرسول المبارك -صلى الله عليه و سلم- بِوَصفٍ شامل




يُروى أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - وأبا بكر رضي الله عنه ومولاه ودليلهما، خرجوا من مكة ومَرّوا على خيمة امرأة عجوز تُسمَّى (أم مَعْبد)، كانت تجلس قرب الخيمة تسقي وتُطعِم، فسألوها لحماً وتمراً ليشتروا منها، فلم يجدوا عندها شيئاً. نظر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى شاة في جانب الخيمة، وكان قد نَفِدَ زادهم وجاعوا.

صفات الرسول - عليه الصلاة والسلام - كأنك تراه




ربما يرد سؤال-هنا- بأن يُقال: قد علمنا الفائدة من معرفة صفات النبي الخُلقية ، وهي الاقتداء به والاهتداء بهديه في تلك الأخلاق التي يحتاج إليها  البشرية  ، ولكن ما الفائدة من ذكر صفات النبي الخَلقية ؟، وماذا يستفيد الناس من كون النبي كان طويلاً أو أبيض ، أو لم يكن في شعره بياض؟! ، ولماذا تُسوَّد الصفحات في هذا الشأن ، ولن يقتدي الناسُ به –بأبي وأمي – في كونه طويلاً أو شعره أسود ليس فيه بياض ، أو غير ذلك من هذه الأوصاف التي ترد في صفاته الخَلقية؟

يا عيني فلتذرفي الدموع



لي أصحاب مسافرين معي قد تجهزوا وما تجهزت معهم ، لقد حملوا طيبات كثيرة وما حملت .... لا ، بل لي حمل أثقل كاهلي ... حمل يضر ولا ينفع .. فليت شعري ما الذي جعلني أحمل ما يضر ولا ينفع ؟

ثم ليت شعري إنَّ صحبي حولي أراهم قد حملوا الطيبات فسعدوا وارتاحوا ... أما نفوسهم فراضية مطمئنة ، وأما نفسي فحزينة متألمة..

كم مرة ٍ راودتني نفسي أن أكون معهم ؟

لكن خطواتي ثقيلة لا تتقدم نحوهم !!

فقلت لها يا نفسي إن لم تتحركي من أجل ما ينفعك فلا أقل من أن تتخلصي مما تحملين .

يا نفس لكم أثقلك ما تحملين ... يا نفس لكم ضرك وما نفعك... فلماذا تواصلين الحمل ؟

فلم تجبني..

 
فناديت : يا عيني فلتذرفي الدموع .
قرب وقت السفر واشتد الجمع له ، فمن حولي أمثال دوي خلية النحل من العمل والسعي الدءوب من أجل السفر .

نعم لأنه ليس سفرا ً مهما ً وفقط ، بل أهم سفر سنسافره جميعا ً ... إنه السفر للآخرة ، وهل هناك سفر أهم منه ؟

لا وألف لا ... إنه أهم سفر منذ ولدتنا أمهاتنا ... سفر ٌ لا رجعة فيه .. فحق له أن يكون أهم سفر في حياتنا .

ومع هذا فلم يحركني كل هذا ، فناديت يا عيني فلتذرفي الدموع .

تقاربت الأيام ولكن اليوم ليس ككل يوم..
أحس ذلك  ولكن لا أدري لماذا ؟

لكن هال عيني ما رأت من هذا ؟ من هؤلاء ؟

أحقا ً هي النهاية ؟ هل بدأ السفر ؟

ما بال أطرافي قد بردت ؟
لقد أيقنت أنها النهاية ... نعم بدأ السفر ، ولكـن أين الزاد ؟ أحقا ً سأرحل بلا زاد ؟ .... أحقا ً سأرحل بلا زاد ؟

لكن أشغلني أمرٌ آخر .. لقد وجدتني أحمل حملاً سيئا ... إنه فرصة للتخلص منه ، ولكن مالي لا أستطيع ؟
هل أنادي يا عيني فلتذرفي الدموع ؟
لكن حتى هذه لا أستطيع .

اللسان لا يتحرك ، والجسد كله هامد ، فلا إله إلا الله .
كلا إذا بلغت الترقي وقيل من راق وظن أنه الفراق "
فلولا إذا بلغت الحلقوم وأنتم حينئذ ٍ تنظرون ونحن أقرب إليه منكم ولكن لا تبصرون "
 أفي هذه اللحظة توبة ؟ كلا وربي .

ما هذا ؟ وإلى أين ؟ إنه عالم جديد كل من يدخله يوزن بما معه من زاد .

لقد هالني ذلك عن النوم على التراب ، ومفارقة الأحباب ، لكن كل هذا يهون أمام الميزان ...
أين الزاد أين ؟ أين ؟

ولكن يا ويحي مما أحمل .. أتراني سأضعه في الميزان أيضا ً ؟

ياعيني فلتذرفي الدموع .

حتى إذا شاء الله أن تحق الحاقة وتقرع القارعة فإذ بالأرض قد زلزلت زلزالها ، وأخرجت أثقالها ، فقمت مع من قاموا حفاة عراة غرلا .

فيا لهول ما أرى ... إن منهم من يغطي العرق نصفه ومنهم يلجمه العرق ، ومنهم من يحمل أوزارا ً مثل الجبال ولكن أين؟؟
إنه يحملها على ظهره  يسعى بها إلى الحشر .

ومنهم من يطوق أرضا ً ... في رقبته ولكن أي أرض ؟ إن شبرا ً من أرض الدنيا يطوق اليوم في الرقبة إلى سبع أراضين .

وها أنا كم أحمل ... فيا عيني فلتذرفي الدموع .

حتى إذا شاء الله ـ بعد وقوف طويل ـ أن يفصل بين الخلائق فتطايرت الصحف فآخذ ٌ باليمين وآخذ بالشمال ، فإلى أين هؤلاء ؟ وإلى أين أولئك ؟

أهل اليمين في نعيم مقيم ... فأطلق لخيالك العنان ليسبح في هذا النعيم حتى يصل إلى غايته ، فهناك تعرف أنه أعلى من ذلك كيف لا ؟ وفيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر .

أما أهل الشمال فـ 
" في سموم وحميم وظل من يحموم لا بارد ولا كريم " ... ينادى على أحدهم خذوه فغلّوه ثم الجحيم صلّوه ثم في سلسلة ذرعها سبعون ذراعا فاسلكوه " .


فحدِّث ولا حرج ... تقرح العيون ، وتفطر القلوب ، وتهتك الجلود ، ولكن ... 
كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلودا غيرها ليذوقوا العذاب " .

فعفوك يا رب الأرباب .

أخي وحبيبي ..... أرجوك لا تنادي : يا عيني فلتذرفي الدموع ؛ فأمامك الفرصة بعد أن عدت من رحلتك تلك ـ إن شاء الله ـ بالعِبرة .
وإلى لقاء مع أهل اليمين أسأل الله أن يجمعنا هناك .

أختاه... أين أنتِ من التاريخ؟



بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله، وصحبه، ومن والاه. أما بعد:

إن نظرة متفحصة في التاريخ، لتنبئ عن مدى الفرق الشاسع بين همة نساء السلف، وما عليه نساء هذا العصر إلا من رحم الله!

لقد ضرب نساء المسلمين في القرون الماضية أروع الأمثلة على علو الهمة وشموخها، وسجلنّ للأجيال بطولات رائعة، لا يبرح نساء هذا العصر إذا قرأنها أن يتخيلنها ضربًا من ضروب الخيال، لولا قواطع الأدلة التي تثبت وقوعها في التاريخ.

لقد جعلن من حياتهن قدوة للأجيال، في العبادة والجهاد، وفي الصيام والقيام وفي طلب العلم والتربية والدعوة والتضحية من أجل دين الله.

وفي هذا الكتاب -نستعرض نماذج قيمة، من أحوال نساء السلف، لعل الله يحيي بذلك الإيمان في قلوب نسائنا، فتذب، فيصن روح العودة إلى حنين الماضي، حيث العزة والتمكين.


أول من أسلم امرأة!

لما أوحى الله -جل وعلا- إلى نبيه -صلى الله عليه وسلم- بالدعوة والتبليغ، عرض أمره على زوجته الطاهرة أم القاسم خديجة بنت خويلد -رضي الله عنها-، فما كان منها إلا أن خفق قلبها للدين واستجاب حسها وشعورها بصدق ويقين لسيد الأنبياء والمرسلين -صلى الله عليه وسلم-.

قال الإمام عز الدين بن الأثير -رحمه الله تعالى-: "خديجة أول من أسلم، بإجماع المسلمين" [1].

فلم تعبأ -رضي الله عنها- بما قد ينالها من المشركين، فكانت خير نصير وظهير للنبي -صلى الله عليه وسلم- فكانت تسانده وتؤيده بمالها ونفسها وما تملك، لذلك كانت لها مكانة في قلب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لا تعدلها مكانة سائر أمهات المؤمنين، فعن أم المؤمنين عائشة -رضي الله عنها- قالت: "كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إذا ذكر خديجة أثنى فأحسن الثناء، قالت: فغرت يومًا؛ فقلت: ما أكثر ما تذكر حمراء الشدقين، قد أبدلك الله خيرًا منها، قال: «أبدلني الله خيرا منها قد آمنت بي إذ كفر بي الناس وصدقتني إذ كذبني الناس وواستني بمالها إذ حرمني الناس ورزقني الله أولادها وحرمني أولاد الناس» " [2]؛ فهذا الحديث يدل على مكانتها في قلب رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وعلى التضحية الكبيرة التي قدمتها إيمانًا بالله ورسوله فكان أن بشرها الرسول -صلى الله عليه وسلم- ببيت في الجنة من قصب، لا صخب فيه ولا نصب» [3] فرضي الله عنها وأرضاها.

أختي المؤمنة: لقد كانت خديجة -رضي الله عنها- خير نصير للإسلام، وبها وبأمثالها نصر الله الدين، وهزم جموع المشركين، ولقد كسبت بسبقها للإسلام والإيمان شرفًا عظيمًا في الدنيا والآخرة، وإننا لنأمل أن يعلق وسام هذا الشرف في أعناق المؤمنات، إنه شرف السبق للعودة إلى الدين، فخديجة -رضي الله عنها- كسبت شرف السبق في البدء، ونحن نريد منك كسب شرف السبق للعود!

قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «إن الإسلام بدأ غريبًا وسيعود غريبًا كما بدأ فطوبى للغرباء» [الراوي: عبدالله بن مسعود، المحدث: البخاري، إسناده حسن].
نعم؛ إنه لابد من دفع ضريبة العودة، كما دفعت ضريبة البدأ، وهي في الحالتين واحدة: إنها الغربة.
فكوني -حفظك الله- ناصرة لهذا الدين بالتزامك واستجابتك لله ورسوله، اجعلي نصب عينيك أم المؤمنين قدوة، وتحملي وحشة الطريق والغربة، فإن طريق الجنة محفوف بالمكاره وطريق النار محفوف بالشهوات!


أول شهيدة في الإسلام امرأة

ومن عجيب قدر الله أن تكون أول شهيدة في الإسلام امرأة، ليعلم بذلك المسلمات طوال التاريخ أن دور المرأة في نصرة الدين عظيم، فهي أول من خفق قلبها للدين، وأول من روت تربة الأرض بدمها نصرة لله رب العالمين.

إنها سمية بنت خُبَّاط أم عمار بن ياسر، كانت سابعة سبعة في الإسلام، وكان بنو مخزوم إذا اشتدت الظهيرة، والتهبت الرمضاء، خرجوا بها هي وابنها، وزوجها إلى الصحراء، وألبسوهم دروع الحديد وأهالوا عليهم الرمال المتقدة، وأخذوا يرضخونهم بالحجارة، ورسول اللله -صلى الله عليه وسلم- لا يفتأ إذا مر عليهم أن يقول: صبرًا آل ياسر فإن موعدكم الجنة! حتى تفادى الرجلان -ابنها وزوجها- ذلك العذاب المر بظاهرة من الكفر أجرياها على لسانهما، وقلبهما مطمئن بالإيمان، وقد أعذر الله أمثالها بقوله -تعالى-:{إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ} [النحل: 106]؛ فأما المرأة فاعتصمت بالصبر، وقرت على العذاب، وأبت أن تعطي القوم ما سألوا من الكفر بعد الإيمان، فذهبوا بروحها وأفظعوا قتلتها، فماتت -رضي الله عنها-، وكانت أول شهيدة في الإسلام!

فأين الأخوات من أمثال سمية في عصرنا! وأين من تصبر على الحجاب الشرعي دون انسياق وراء خزعبلات الموضة وأضوائها!

وأين من تلازم طاعة الله جل وعلا وطاعة زوجها ووالديها!

وأين من تضحي بوقتها في سبيل التعلم والتعليم والدعوة!

لقد كان شرفًا للمرأة أن تكون الشهادة في الإسلام منطلقة على يدها، فإذا كانت سمية بنت خُبَّاط -رضي الله عنها- قد شهدت على التزامها بالإسلام بدمها وجسدها وروحها، فلكي تترك لأجيال المسلمات من بعدها إرثًا من التاريخ يفخرن به ويقتدين بنهجه ما دامت السموات والأرض.

أختاه..

يا من هديتِ إلى الإسلام راضية *** وما ارتضيتِ سوى منهاج خير نبي
يا در حفظت بالأمس غالية *** واليوم يبغونها للهو واللعب
يا حرة قد أرادوا جعلها أمة *** غريبة العقل، لكن اسمها عربي
هل يستوي من رسول الله قائده *** دومًا، وآخر هاوية أبو لهب
وأين من كانت الزهراء أسوتها *** ممن تقفت خطا حمالة الحطب
أختاه لست ببنت لا جذور لها *** ولست مقطوعة مجهولة النسب
أنت ابنة العرب من الإسلام عشت به *** في حضن أطهر أم من أعز أب
فلا تبالي بما يلقون من شبه *** وعندكِ العقل إن تدعيه يستجب
سليه: من أنا؟ ما أهلي؟ لمن نسبي؟ *** للغرب أم أنا للإسلام والعرب؟!
 [4]


امرأة تصنع الأبطال

لقد كانت الخنساء من خيرة نساء العرب في الجاهلية، ويوم أن قتل أخوها، بكته بُكاء صار مثلًا في الجزع والنياحة، من شدة ما كانت تجد في نفسها من فقده!

ولكنها لما أسلمت وحسن إسلامها، أصبحت تصنع الأبطال، وتعطي الدروس والعبر للأجيال؛ إذ لما تأهب أبناؤها وأشطار كبدها إلى القتال، وعظتهم موعظة القائد الصارم الذي يشحذ همم الجنود، ويوقظ سبات الرقود، فقالت لهم: "يا بني إنكم أسلمتم طائعين، وهاجرتم مختارين والله الذي لا إله إلا هو، إنكم لبنو رجل واحد، كما أنكم بنو امرأة واحدة، ما هجنتُ حسبكم، وما غيرت نسبكن، واعلموا أن الدار الآخرة خير من الدار الفانية.

اصبروا وصابروا، ورابطوا، واتقوا الله لعلكم تفلحون، فإذا رأيتم الحرب قد شمرت عن ساقها وحللت نارًا على أوراقها، فيمموا وطيسها، وجالدوا رسيسها، تظفروا بالغنم والكرامة، في دار الخلد والمقامة".

ولما حمي وطيس القتال، تدافعوا على العدو، حتى ماتوا جميعًا -رحمهم الله-، فما كان منها إلا أن قالت: "الحمد لله الذي شرفني بقتلهم وأرجو من الله أن يجمعني بهم في مستقر الرحمة" [5].
فأين أمثال الخنساء في زماننا؟ وأين من يعلي همم البنات والأبناء للتضحية في سبيل الدين إن لم يكن بالقتال، فبالعلم، والعمل والدعوة والنصيحة وبذل المعروف وكف الأذى؟

أختي المسلمة: تذكري أن البيت هو مدرسة الأبناء، وأنك المعلمة فيه، فبمقتضى التوجيه والتربية التي ترعين بها أبناءك يكون نهجهم ونتاجهم في الحياة، ولذا فإن حسن التوجيه وأدب التربية شرط في صناعة الأبطال.
فالبنت مدرسة إذا أعددتها *** أعددت شعبًا طيبًا الأعراق

ومن تأمل واقع المسلمين اليوم وجد أن السبب في ظهور الانحطاط في جوانب كثيرة من حياتهم، هو غياب روح التربية والتوجيه، وغياب دور الأمومة الريادي في صناعة الرجال الذين يرفعون راية الدين. فكوني رعاك الله مهتمة بأبنائك، واجعلي منهم جندًا لله!


المرأة.. تهزم الروم!

في وقعة اليرموك شهد التاريخ للمرأة بالشجاعة والبطولة، والتضحية والبذل من أجل نصرة الإسلام والمسلمين، ولقد أصاب الروم من العجب والدهشة حين رأوا نساء المجاهدين يضربن بالأحجار والخشب والعصي، ويقفزن فوق فرسان الروم، ويقتلن كما يفعل الرجال بل أكثر!

وفي زماننا -انقلبت الأحوال- وأصبح في قلوب كثير من النساء تعظيم للروم -الغرب- وأحواله وأصبحنّ يقلدنه في كل صغيرة وكبيرة، إعجابًا بأسلوب معيشته وشخصيته رجاله ونسائه وأطفاله.
ذهب الذين يعاش في أكنافهم *** وبقيت في خلف كجلد الأجرب

ففي وقعة اليرموك، فر جموع من المسلمين لما تكاثرت عليهم جيوش الروم على الميمنة، وهنا تظهر شجاعة النساء ودورهن في التحريض على الجهاد، حيث نادت النساء: "يا بنات العرب! دونكم والرجال، ردوهم من الهزيمة حتى يعودوا إلى الحرب"، قالتسعيدة بنت عاصم الخولاني: "كنت في جملة النساء يومئذ على التل، فلما انكشفت ميمنة المسلمين صاحت بنا عقيرة بنت غفار وكانت من المترجلات الباذلات، ونادت: "يا نساء العرب! دونكم والرجال، واحملن أولادكن على أيديكن، واستقبلنهن بالتحريض" ". وجعلت ابنة العاصي بن منبه تنادي: "قبح الله وجه رجل يفرر عن حليلته"، وجعل النساء يقلن لأزواجهن: "لستم لنا ببعولة إن لم تمنعوا عنا هؤلاء الأعلاج [6]" [7].
وكانت خولة تقول هذه الأبيات:
يا هاربًا عن نسوة ثقاتْ *** لها حمال ولها ثباتْ
يسلموهن إلى الهناتْ *** تملك نواصينا مع البناتْ
أعْلاجُ سُوء فسق عتاةْ *** ينلن منا أعظمَ الشتاتْ


قال ابن جرير: "وقد قاتل نساء المسلمين في هذا اليوم، وقتلوا خلقًا كثيرًا من الروم، وكن يضربن من انهزم من المسلمين، ويقلن: "أين تذهبون وتدعوننا للعلوج؟ فإذا زجرنهم لا يملك أحد نفسه حتى يرجع إلى القتال" " [8].

وخرجت هند ابنة عتبة، وبيدها مزهر ومن خلفها نساء من المهاجرين، وهي تحرض المجاهدين، وتقول الشعر الذي قالته يوم أحد:
نحن بنات طارق *** نمشي على النمارق
مشي القطا الموافق *** قيدي مع المرافق
ومن أبى نفارق *** إن تغلبوا نعانق
أو تدبروا نفارق *** فراق غير واثق
هل من كريم عاشق *** يحمي عن العواتق


ثم استقبلت خيل ميمنة المسلمين، فرأتهم منهزمين، فصاحت بهم: "على أين تنهزمون؟ وإلى أين تفرون؟ من الله ومن جنته؟ هو مطلع عليكم". ونظرت إلى زوجها أبي سفيان منهزمًا فضربت وجه حصانه بعمودها، وقالت له: "إلى أين يا أبا صخر؟ ارجع إلى القتال، ابذل مهجتك حتى تمحص ما سلف من تحريضك على رسول الله -صلى الله عليه وسلم-"، قال الزبير بن العوام: "فلما سمعت كلام هند لأبي سفيان، ذكرت يوم أحد ونحن بين يدي رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: فعطف أبو سفيان عندما سمع كلام هند، وعطف المسلمون معه، ونظرت إلى النساء وقد حملن معهم، وقد رأيتهن يسابقن الرجال.

ولقد رأيتُ منهن امرأة وقد أقبلت على علج [9] عظيم وهو على فرسه، فتعلقت به، وما زالت به حتى نكبته عن جواده، وقتلته، وهي تقول: "هذا بيان نصر الله للمسلمين!!" وفي هذه الوقعة قتلت أسماء بنت يزيد بن السكن بعمود خبائها تسعة من الروم" [10].

أختي المسلمة.. إن هذه المشاهد الجميلة النيرة في تاريخ المرأة المسلمة لتبعث في النفس الهمة والطموح وتقذف في القلب التطلع والشموخ، فالمرأة هي قوام المجتمع ونواة الأسرة، شأنها في كل الميادين الشرعية عظيم! فتأملي رعاكِ الله في صولات المجاهدات كيف أوقعن أعداء الله الروم في هزيمة نكراء سجلها التاريخ ولم يسجل مثلها بعد!

فشمري عن ساعد الجد، واصنعي الأبطال كما صنع السابقات، وكوني لزوجكِ محرضة على الخير والفضل.

نحن في ذي الحياة ركب سفار *** يصل اللاحقين بالماضينا
قد هدانا السبيل من سبقونا *** وعلينا هداية الآيتنا



امرأة عابدة

وأما في العبادة فقد كانت أمهات المؤمنين عابدات زاهدات، قانتات طائعات، صائمات قائمات.
ومن بينهنّ: أم المؤمنين زينب بنت جحش بن رئاب ابنة عمة النبي -صلى الله عليه وسلم- ورضي الله عنها امرأة صناعًا، وكانت تعمل بيدها، وتتصدق به في سبيل الله [11].

وكانت -رضي الله عنها- صالحة، صواحة، قوامة، بارة، ويُقال لها: "أم المساكين"، وقالت فيها أم المؤمنين عائشة -رضي الله عنها- بعد موتها: "لقد ذهبت حميدة متعبدة، مفزع اليتامى والأرامل" [12]، وعن أنس -رضي الله عنه- قال: "دخل النبي -صلى الله عليه وسلم- فإذا حبل ممدود بين الساريتين، فقال: «ما هذا الحبل؟» قالوا: حبل لزينب، فإذا فترت تعلقت. فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «لا، حلوه ليصل أحدكم نشاطه، فإذا فتر فليقعد» " [13] .

وقالت عائشة -رضي الله عنها- أيضًا: "كانت زينب بنت جحش تساويني في المنزلة عند رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، ولم أر امرأة قط خيرًا في الدين من زينب، وأتقى لله، وأصدق حديثًا، وأوصل للرحم، وأعظم صدقة، وأشد ابتذالًا لنفسها في العمل الذي تتصدق به، وتقرُّبا به إلى الله -تعالى- ما عدا سورةً من حدَّة، كانت فيها تسرعُ منها الفيئة" [14].

أختي المؤمنة: فاجتهدي -رعاكِ الله- في طاعة الله، واتخذي أمهات المؤمنين لكِ قدوة واقرئي أحوالهنّ في كتب التراجم والسير والمناقب، لتعرفي ما كنّ عليه من العبادة والزهد في الدنيا، والتقرب إلى الله بالطاعات وصالح الأعمال، وإياكِ والاغترار بما عليه نساء هذا الزمان؛ فإن الكثرة ليست دليلًا على الحق، قال -تعالى-: {وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ} [سبأ: 13]، وقال -تعالى- عن نوح: {وَمَا آَمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ} [هود: 40].


امرأة عالمة

ولقد كان للمرأة دور بارز في حفظ العلوم وتلقينها؛ فهذا الإمام أبو مسلم الفراهيدي المحدث يكتب عن سبعين امرأة [15]، وهذا الحافظ ابن عساكر الملقب بحافظ الأمة، كان له شيوخه وأساتذته بضع وثمانون من النساء!! [16].

ومن نماذج النساء العالمات في عصر السلف: حفصة بنت سيرين، أم الهذيل الفقيهة الأنصارية.
قال هشام بن حسان: "قرأت حفصة بنت سيرين القرآن وهي ابنة اثنتي عشرة سنة، وماتت وهي ابنة تسعين".

وعنه أن ابن سيرين كان إذا أشكل عليه شيء من القرآن قال: "اذهبوا فسلوا حفصة كيف تقرأ"، وعنه قال: "اشترت حفصة جارية أظنها سندية فقيل لها: كيف رأيت مولاتك؟ فذكر إبراهيم كلامًا بالفارسية تفسيره: إنها امرأة صالحة، إلا أنها أذنبت ذنبًا عظيمًا فهي الليل كله تبكي وتصلي" [17].

أخية: تأملي -حفظكِ الله- كيف جمعت هذه المرأة الصالحة بين جمال العلم والعبادة، فقد نورها الله بالقرآن علمًا وعملًا، وفي زماننا كثر العلم وانتشر، وملأ الشريط الإسلامي والكتاب الإسلامي أركان المكتبات في البيوت، ولكن الفقه والفهم يكاد ينعدم؛ فهو مبسوط في الرفوف مقبوض عن الصدور، ولقد كثرت جمعيات التحفيظ، ولكن القليلات ممن هداهن الله اللواتي يملأنها بالذكر والتلاوة والحفظ والله المستعان.

فأين نساؤنا من نساء السلف؟! وأين الثرى من الثريا! ولكننا لا نضرب صفحًا عن الأمل، فلا تزال في كل وقت وحين بوادر خير في الزوايا، تنشر الخير وتدل عليه، ولا يزال بصيص نور وضاء هنا وهناك يضئ لنساء الأمة الطريق، ويجنبها الزلل ويجدد فيها الطموح والأمل، وبالله التوفيق.

وصلى الله على محمد، وعلى آله، وصحبه أجمعين.


الهوامش:

[1] أسد الغابة (7/78).
[2] انظر الإصابة لابن حجر (12/217-218)، والحديث روته: عائشة، وحدثه: الهيثمي، وإسناده حسن.
[3] سيرة أعلام النبلاء 2/10، والقصب: هو اللؤلؤ المجوف الواسع كالقصر.
[4] أختي المسلمة من أمركِ بالحجاب ص24.
[5] انظر الإصابة 7/615-616.
[6] الأعلاح: جمع علج: وهو الرجل الكافر من العجم.
[7] البداية والنهاية (7/11).
[8] المصدر نفسه.
[9] أي فارس من فرسان الروم.
[10] انظر سير أعلام النبلاء 2/297.
[11] سير أعلام النبلاء 2/217.
[12] الإصابة 7/670.
[13] [الراوي: أنس بن مالك، المحدث: البخاري، صحيح]
[14] الإصابة 2/214.
[15] من أخلاق العلماء ص345 (الهامش).
[16] المرأة العربية 2/138.
[17] سير أعلام النبلاء 4/507.


المؤلف: القسم العلمي بدار ابن خزيمة
الناشر: دار ابن خزيمة

موقع الكتيبات الإسلامية


(بتصرف يسير)

كذلك كنتم من قبل


كذلك كنتم من قبل



للشيخ: محمد بن إبراهيم الحمد -حفظه الله


كنت كثيرًا ما أحاول إقناع نفسي وغيري ممن أخالطهم ألا يبالغوا في الانزعاج من الأمور الصغيرة، والأخطاء غير المقصودة التي تتكرر من الطلاب، والأولاد الصغار، ومن بعض العوام، والعصاةِ، وناقصي المدارك.


ولا أعني بذلك أن يترك حبلهم على غاربهم دون توجيه أو إرشاد.
وإنما المقصود ألا يبالغ في التثريب عليهم.
وكنت أُكْبِرُ من يتغاضى أو يُحسن التعامل مع تلك الفلتات والهِنَاتِ التي تصدر ممن مضى ذكرهم.
ذلك أن الإنسان قد مرَّ ببعض تلك الأطوار حال طفولته، أو دراسته، أو غفلته؛ فتراه إذا تذكَّر تلك الأيام السالفة، وما جرى فيها مما يُنكره حال اكتمال عقله؛ تراه يُكبِر من كان يُحسن التعامل معه في تلك الأيام، ولا يروقه إلا ذاك المربي الحكيم الحليم الذي يتغاضى، ويَتَحَلَّم عن تلك الزلات التي يَعزُّ التخلص منها، والتي لا تصدر عن عناد، أو سوء طويَّة.
فإذا كان الأمر كذلك:
فلا تغضبنْ من سيرة أنت سرتَها فأول راضٍ سنةً من يسيرها
وقد وجدت أن القرآن الكريم قد أشار إلى هذا المعنى الجليل بألطف إشارة، وأجمل عبارة.
قال الله -عز وجل-: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمْ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَلِكَ كُنتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا} النساء:94.
وقد أبدع العلامة الشيخ ابن عاشور في الوقوف عند قوله -عز وجل-: {كَذَلِكَ كُنتُمْ مِنْ قَبْلُ} في تفسيره التحرير والتنوير 5/168-169.
فقال -رحمه الله-: "أي كنتم كفارًا، فدخلتم الإسلام بكلمة الإسلام؛ فلو أن أحدًا أبى أن يُصَدِّقكم في إسلامكم أكان يرضيكم ذلك.
وهذه تربية عظيمة، وهي أن يستشعر الإنسان عند مؤاخذته غيره أحوالًا كان هو عليها تساوي أحوال من يؤاخذه، كمؤاخذة المعلم التلميذ بسوء إذا لم يقصر في إعمال جهده.
وكذلك هي عظة لمن يمتحنون طلبة العلم؛ فيعتادون التشديد عليهم، وتطلب عثراتهم، وكذلك ولاة الأمور وكبار الموظفين في معاملة من لنظرهم من صغار الموظفين، وكذلك الآباء مع أبنائهم إذا بلغت بهم الحماقةُ أن ينتهروهم على اللعب المعتاد، أو على الضجر من الآلام.
وقد دلت الآية على حكمة عظيمة في حفظ الجامعة الدينية، وهي بث الثقة والأمان بين أفراد الأمة، وطرح ما مِنْ شأنِه إدخالُ الشك؛ لأنه إذا فتح هذا الباب عَسُرَ سَدُّه، وكما يتهم المتهم غيره؛ فللغير أن يتهم من اتهمه، وبذلك ترتفع الثقة، ويسهل على ضعفاء الإيمان المروق؛ إذ قد أصبحت التهمة تُظِلُّ الصادق والمنافق، وانظر معاملة النبي-صلى الله عليه وسلم-المنافقين معاملة المسلمين.
على أن هذا الدين سريع السريان في القلوب؛ فيكتفي أهله بدخول الداخلين فيه من غير مناقشة؛ إذ لا يلبثون أن يألفوه، وتخالط بشاشته قلوبهم؛ فهم يقتحمونه على شك وتردد فيصير إيمانًا راسخًا، ومما يعين على ذلك ثقة السابقين فيه باللاحقين بهم.